الجصاص

176

أحكام القرآن

أيمانكم " . وقيل : " ما وراء ذوات المحارم وما وراء الزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين " . قال أبو بكر : هو عام فيما عدا المحرمات في الآية وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم . باب المهور قال الله تعالى : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ) فعقد الإباحة بشريطة إيجاب بدل البضع وهو مال ، فدل على معنيين ، أحدهما : أن بدل البضع واجب أن يكون ما يستحق به تسليم مال ، والثاني : أن يكون المهر ما يسمى أموالا ، وذلك لأن هذا خطاب لكل أحد في إباحة ما وراء ذلك أن يبتغي البضع بما يسمى أموالا ، كقوله تعالى : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ) خطاب لكل أحد في تحريم أمهاته وبناته عليه ، وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز أن يكون المهر الشئ التافه الذي لا يسمى أموالا . واختلف الفقهاء في مقدار المهر ، فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : " لا مهر أقل من عشرة دراهم " . وهو قول الشعبي وإبراهيم في آخرين من التابعين ، وقول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد . وقال أبو سعيد الخدري والحسن وسعيد بن المسيب وعطاء : " يجوز النكاح على قليل المهر وكثيره " . وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب ، فقال بعض الرواة : قيمتها ثلاثة دراهم وثلث ، وقال آخرون : النواة عشرة أو خمسة . وقال مالك : " أقل المهر ربع دينار " . وقال ابن أبي ليلى والليث والثوري والحسن بن صالح والشافعي : " يجوز بقليل المال وكثيره ولو درهم " . قال أبو بكر : قوله تعالى : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ) يدل على أن ما لا يسمى أموالا لا يكون مهرا وأن شرطه أن يسمى أموالا ، هذا مقتضى الآية وظاهرها ، ومن كان له درهم أو درهمان لا يقال عنده أموال ، فلم يصح أن يكون مهرا بمقتضى الظاهر . فإن قيل : ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال وقد أجزتها مهرا . قيل له : كذلك يقتضي الظاهر ، لكن أجزناها بالاتفاق ، وجائز تخصيص الآية بالإجماع ، وأيضا قد روى حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا مهر أقل من عشرة دراهم " . وقال علي بن أبي طالب : " لا مهر أقل من عشرة دراهم " . ولا سبيل إلى معرفة هذا الضر ب من المقادير التي هي حقوق الله تعالى من طريق الاجتهاد والرأي ، وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق ، وتقديره العشرة مهرا دون ما هو أقل منها يدل على أنه